الشيخ محمد هادي معرفة

128

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

التشريف والاعتبار ، لا لأنّه مكانه الخاصّ أو أنّه تعالى حالّ فيه جلّ شأنه . فهكذا اقتضت المصلحة تحويل هذا الاتّجاه العبادي إلى الكعبة وهو بيت اللّه العتيق ، له نسبة تشريفية قديمة إليه تعالى ، لا لشيء آخر سواه . « وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ » . « 1 » فقوله : « فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ » يعني : أينما اتّجهتم في عباداتكم فثمّ اتّجاه إلى اللّه تعالى ، لأنّه هو المقصود بالعبادة الخالصة لوجهه الكريم . وإنّما جاء الأمر باتّجاه خاصّ ، لمصلحة في ذلك ، ربّما كانت وحدة الاتّجاه العبادي لجميع المسلمين في عامّة عباداتهم ، الأمر الذي كان يشدّ من وحدتهم في سائر الأُمور . وقال تعالى : « إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً » ، « 2 » أي لقصده ، وأن ليس المقصود من هذا الإحسان سوى التقرّب والزلفى لديه تعالى ، فهو المقصود بالذات لا المكافئة ولا الثناء . وهكذا قوله : « وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ » « 3 » أي كانت خالصة للّه . إلى غيرها من آيات نظائر . والوجه بمعنى القصد كثير في القرآن وفي الشعر . قال تعالى : « وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ » « 4 » أي أخلص قصده إلى اللّه . وأنشد الفرّاء : أستغفر اللّه ذنبا لستُ مُحصِيَه * ربَّ العباد إليه الوجهُ والعمل أي إليه القصد والعمل . وغيره من أشعار استشهد بها الشريف المرتضى لبيان أوجه المعاني المقصودة من « الوجه » في الاستعمال ، وقد استوفى البحث حقّه ، فراجع . « 5 » العين ذكر العين - مضافة إليه تعالى - في القرآن في خمسة مواضع ، أحدها مفردة في سورة طه : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » . « 6 » خطابا مع موسى عليه السلام . والباقي جمعا :

--> ( 1 ) - البقرة 143 : 2 . ( 2 ) - الإنسان 9 : 76 . ( 3 ) - الروم 39 : 30 . ( 4 ) - النساء 125 : 4 . ( 5 ) - الأمالي ، ج 1 ، ص 590 - 593 ، المجلس 45 . ( 6 ) - طه 39 : 20 .